متـسولو المناصـب
متـسولو المناصـب
التسول ظاهرة "سيكولوجية" "وسيسيولوجية"، يعاني منها المجتمع، وقد نهت عنها الشرائع السماوية، فالإسلام مثلاً حث على العمل مهما كان بسيطاً، والتعفف عن سؤال الناس، لكن في أيامنا هذه أضحى التسول حرفة ومهنة لدى الكثيرين، ووسيلة للكسب، وتجارة رابحة ، بل إن البعض اتخذ التسول كحرفة ومهنة مدرة للدخل . الملاحظ أنه لا فرق بين متسول الشارع ومتسول المنصب ، وجههم واحد ، وثوبهم واحد ، غير أن  “متسول المنصب“ سبق الأول في الأساليب، لا بل ولد قبله بمئة عام ونيف، فهو خبير بتاريخ الأشخاص والدخول إلى نفسياتهم وأعماقهم، وخبير ايضاً فيما يعرف بمبدأ: "من أين تؤكل الكتف". للوهلة الأولى البعض يظنه عندما يتحدث بأنه مناضلاً حاملاً لهموم الوطن والأمة، والحقيقة أنه لا يحمل سوى هم بطنه طولاً وعرضاً ، يتمسكن حتى يتمكن، وعند سيده مهان ومستعبد وذليل، واحياناً يُستخدم في الخفاء لأغراض شخصية مُشينة، من أجل المنفعة. تجد هؤلاء المرتزقة يجولون ويصولون في كل المواقع والمناسبات، وتجدهم يضربون الطبول والدفوف ويجيدون الرقص وهز الوسط لكل مسؤول قادم، وتعرفهم من لحن القول عندما يتحدثون نفاقاً بالمدح والتبجيل والانبطاح، وكل ما بحوزتهم للبيع أو للتأجير من أجل المصلحة ..! فتجد منهم من لبس وتهندم بأحسن الثياب يحملون معاطف وحقائب أسيادهم وهواتفهم النقالة، ومنهم من يتسول بالدسائس والطعن في ذمم الأخرين، فهم انتهازيون بارعون ولا يتورعون من النفاق والتملق والتزلف والاستجداء يبتغون فضلات الآخرين. متسول المنصب تجده يلهث ومستعد أن يبيع أو يرهن كل شيء بحوزته ، فهو لم يسمع يوماً عن الكرامة والشهامة، وليس لديه أنفة ولا مروءة، وكأنه تدرب على التسول وهو جنين في بطن أمه، ولو وضع في الصحراء لأوشك على أن يسأل "الكلاب الضالة" ولا يبالي، تجري المذلة والمهانة في جسمه مجرى الدم. فليس هناك أكثر قسوة ولا اشد فتكا على الإدارة والدولة والمجتمع، من شخص تسلق على أكتاف الأخرين، فهو أسلوب مُشين ومبتذل، فيه أعلى درجات الذل للنفس ومسخ للكرامة وأغرقها في وحَل الدناءة حتى لو تقلد أعلى المناصب وأعلى الرتب.    د. قـــدر الدغمــي
2019-05-27
أضف تعليق
الاسم
الايميل
التعليق
تعليق صوتى
رفع ملف صوتى
لم يتم رفع اى ملف
( الملفات المسموح بها امتداد wma , rm , mp3 )
عدد الزيارات :