دولة كردستان لن تصمد
دولة كردستان لن تصمد

 

بقلم السفير ياسين رواشده

كما كان متوقعا، نفذ قادة اكراد العراق تهديداتهم القديمة الجديدة، وتقدموا بقفزة كبيرة نحو الانفصال عن العراق، في المقابل جاءت ردة فعل حكومة بغداد ودول الجوار متأخرة وباهتة، لا تتناسب مع خطورة المرحلة ولا مع فداحة الاجراء الذي سيفتح ازمة جديدة معقدة ستلقي بظلالها على جميع الازمات الحالية في ذلك الاقليم الاكثر اضطرابا في العالم.

فقد انصب الزيت بكثافة على النار والجوار يتفرج مكتفيا بالكلام وبالتهديد والوعيد، والتأكيد على عدم الاعتراف بنتائج الاستفتاء، وكأن الاعتراف من عدمه سيغيران الواقع على الارض.

قيادة اقليم كردستان تقدمت لخلق حقائق جديدة على الارض، ومن ثم التفاوض من منطق القوة.

لسنا بمعرض الدخول في تاريخ القضية الكردية والصراع الاقليمي بشأنها، فالأكراد متواجدون كأقليات في تركيا وايران والعراق وسوريا، لكنهم وعبر التاريخ لم يقوموا بحركة تمرد عسكري، وحصلوا لاحقا على اقليم حكم ذاتي في كردستان العراق، فيما لم يتمتعوا بأي حقوق قومية او ثقافية في ايران وسوريا وتركيا (قبل ان تأتي حكومة اردوغان وتمنحهم الحقوق الثقافية والقومية على نطاق محلي).

ان الاخطاء المتراكمة للقيادات العراقية، خصوصا قيادات ما بعد الاحتلال الاميركي كان قاتلة، استخدمها زعيم الاكراد مسعود البرازاني بمهارة لتعزيز سلطاته في «اقليم الحكم الذاتي»، ذلك ان بغداد بدل ان تقيم «فدرالية» بين العرب والكرد وتنظم علاقات واضحة ومسؤوليات محددة ودقيقة، وشراكة متوازنة بين بغداد واربيل، عمدت وربما بقبول وتشجيع مقصود من قادة اربيل بإنشاء «ثلاثية» المحاصصة «بين المكونات العراقية» الثلاثة، الكرد والشيعة والسنة، وبذلك دخل العراق في اتون المنافسة والصراع الثلاثي، حيث كل طرف اصبح يسعى لتعزيز سلطات ونفوذ ومكاسب «طائفته»، ولو كانت قيادة العراق حكيمة وواعية، لما دخلت في التقسيم والمحاصصة الطائفية، بل قامت بتنظيم علاقة «قومية» بين العرب (سنة وشيعة ومسيحيين) من جهة، وبين الكرد من جهة اخرى، وكان ذلك سينظم ويرتب الامور بوضوح اكثر، ولما تركوا لقادة الكرد المتعصبين الطامعين للانفصال، استغلال كل خطأ ومشكلة لتعزيز ذلك.

ان اختيار التوقيت الحالي لاعلان الاستفتاء ورفع وتيرة الشعور القومي والاعتزاز بالذات لدى الاكراد ليس بتلك السذاجة، ذلك ان مسعود البرازاني اختار اللعب بورقة الاستقلال وتقرير المصير، وهو حلم كردي قديم ليعزز شعبيته ودوره وليرجع الى الساحة زعيما قوميا اتى بالاستقلال.

ويتساءل المرء ماذا بعد الاستفتاء غدا؟ وحتى لو حصل الاستقلال التام واعلان الدولة فهل يستطيع اقليم او دولة كردستان الحياة مع حصار جيرانها؟!

أجزم أن «الدولة» الجديدة لن تصمد اذا اتفق جميع الجيران على محاصرتها، فكردستان العراق لا منافذ بحرية لها كإسرائيل، مثلا، وليس لها حليف دولي عظيم كأميركا والغرب يمدها بكل مقومات الحياة. لا نعلم ان كان الاكراد يدركون هذه الامور؟ ازعم ان رئيس العراق السابق وزعيم السليمانية المعتدل جلال الطلباني يدرك اللعبة، لذلك ابدى تحفظه على الاستفتاء وعلى الاستقلال التام، مطالبا بعقد جديد مع بغداد لصياغة علاقات جديدة مستقيمة ومتوازنة لايجاد فدرالية، او كونفدرالية العراق الجديد، بين الكرد والعرب في العراق، هذا هو الحل الاسلم للكرد وللعراق، للكرد مصلحة اساسية ان يظلوا مع العراق في عقد تشاركي جديد ضمن فدرالية، او كونفدرالية جديدة، لأن في ذلك خير للجميع، واطفاء لنار ازمة قد لا تنتهي الا بنهاية الكرد، وربما بنهاية العراق معهم ايضا، وهذا ليس في مصلحة أحد، سوى إسرائيل.

2017-09-27
أضف تعليق
الاسم
الايميل
التعليق
تعليق صوتى
رفع ملف صوتى
لم يتم رفع اى ملف
( الملفات المسموح بها امتداد wma , rm , mp3 )
عدد الزيارات :