أشخاص يعلقون أخطاءهم على شماعة "الحسد"
أشخاص يعلقون أخطاءهم على شماعة "الحسد"

شمس نيوز – 13 ايار - يشير كثيرون بأصابع الاتهام إلى ما يسمونه "الحسد"، محملين إياه كل ما يصيبهم من سوء حظ أو إخفاقات في الحياة.

 

وينشغل أشخاص، في تفسير كل ما ينتج معهم من مشاكل لما يسمونه بـ"الحسد" لتتكرر هذه المفردة التي أصبحت شماعة يعلقون عليها كل أخطائهم وما يحصل لهم من عثرات.

 

الثلاثينية سهى أحمد، باتت تنزعج من رفقة صديقة لها تعزو كل ما يحدث معها لـ"الحسد"، وعن ذلك تقول: "أشعر أنها

 

فتاة مغيبة عن الواقع ولا تدرك ما الذي تقوله وأن هناك أسبابا ومعطيات حقيقية لما يحدث معها، قد تكون ناتجة عن إهمالها أو تهورها مثلا، وبمجرد الإخفاق تسارع للإجابة فورا: يبدو أنني محسودة"!.

 

وتتابع سهى، أن التعامل مع هذه الصديقة بات أمرا مزعجا جداً، فقد أصبح الشخص يتردد في الكلام الذي سيقوله لها، حتى إن كثيرين حولها غدوا يخافون من مدحها أو الإطراء على شكلها أو ما تقتني خوفا من اتهامه بأنه حسدها عند حدوث مكروه.

 

وتضيف أن الشيء المؤسف في الأمر أكثر هو أن كل من حولها "لا يجد أن هناك فعلاً شيئا حقيقيا تحسد عليه، فهي فتاة كغيرها من الفتيات ولا تمتلك أي صفة على أي صعيد تميزها عن غيرها".

 

ولعل هبة عصمت واحدة أخرى تستاء كثيراً من حماتها التي ترجع كل شيء يحدث معها ومع أولادها على أنه حسد، بغض النظر عن طبيعة المشكلة التي تحصل معها ومع أبنائها والتي أحياناً كثيرة تعود بسبب اخفاقات أبنائها وسوء ادارة وتخطيط منهم.

 

حماة هبة لا تعترف أبدا بأي أخطاء واقعية تسببت بحدوث المشاكل، بل لسانها لا ينفك عن ترديد عبارات على شاكلة

 

"عيون الناس أكلتنا، عين الناس خلتنا نشحد، الحسد دمر حياتنا".

 

وتنتشر مثل هذه الأفكار بين كثير من الأشخاص؛ حيث يرجعون كل ما يحدث لهم من سوء أو مكروه إلى "العين والحسد"، ويشغلون أنفسهم طوال الوقت فيه أكثر من انشغالهم بإنجازات تستحق أن يحسدوا عليها فعلاً.

 

الاختصاصي الاجتماعي د.حسين الخزاعي، يعزو تلك التصرفات إلى ما يسمى بـ"الهروب الوهمي والمبررات الوهمية" في تحميل الأخطاء للآخرين والتعلق بأي سبب، مبيناً أنه هروب من معالجة المشكلة وعدم التحضير الجيد والاستعداد الجيد لها، الى جانب أنه بعد عن الواقع والحقيقة وسببه ضعف الشخصية.

 

ويعتبر الخزاعي أن التنشئة الاجتماعية التي لا تعلم الأبناء تحمل المسؤولية والتعامل بعقلانية وفكر، بالاضافة الى أن التقليد الأعمى للأصدقاء والعائلة هو السبب في كل هذه الأوهام والخيالات البعيدة عن الواقع.

 

ويشير الى أن تقبل المجتمع لهذه المبررات والتفسيرات هو العامل الرئيسي الذي يشجع الناس على التمادي فيها، لوجود تقبل كبير من المجتمع لهذا النوع من المبررات وهم بحاجة كبيرة لمهارات تعديل السلوك.

 

وينوه الخزاعي إلى ضرورة أن ينشغل الناس بعمل شيء يحسدون عليه فعلاً أفضل بكثير من أن يبقوا مشغولين بأن هناك من يحسدهم بشكل دائم.

 

"اخفاقات الناس الشخصية دائماً يبحثون لها عن مبررات"، وفق الاختصاصي التربوي والنفسي د.موسى مطارنة، الذي يرى أنها حالة اجتماعية وثقافة سائدة خصوصاً عند الناس الذين لديهم تدن فكري في مستوى التفكير، فيتجهون دائماً الى اتجاهات أخرى لتفسير الأحداث التي تحدث معهم.

 

ويعتبر مطارنة أن عملية الحسد هي "اسقاط ثقافي اجتماعي تربوي، وهي ضعف وتدن في مستوى الذات وتطوره، بالتالي فهم يحاولون الخروج من حالة الضعف والاخفاق في اتجاه آخر يبررونه بالحسد"، بالاضافة الى أن هناك جانبا من عدم الايمان بقدراتهم، وهي سمة تكثر بين الناس الذين عاشوا حالة من الحرمان.

 

ويرى أن تدني مفهوم الذات هو ما يعكس تبني "نظرية الحسد"، لافتا إلى أن هذا السلوك لا علاقة له بالدرجة العلمية التي وصل لها الشخص، فهي منتشرة بين الناس على العموم.

 

ويتابع مطارنة "هناك كثير من الناس ممن يعتقدون أن هناك ما يحسدون عليه، الا أنه أمر غير موجود إنما هي مجرد إسقاطات أقنع نفسه بها وأسقطها على نفسه"، لافتا الى أنها عملية ديناميكية بين النفس والمجتمع.

 

أستاذ الفقه والدراسات الإسلامية د.منذر زيتون، يرى أن الموضوع عائد الى "اضطراب نفسي يعيشه أفراد المجتمع بالعموم سببه غياب العدالة الاجتماعية التي من الأصل أن تعطي أصحاب الحقوق حقوقهم"، كون المجتمع يعيش حالة من التحاسد؛ لأن هناك تباينا كبيرا في المستويات، مبيناً أن الغني يخاف على ما عنده من الناس والفقير يعيش حالة من الحرمان ويتمنى ما يملكه غيره.

 

ويرى زيتون أن القصة، وإن كانت قد وردت في القرآن والسنة، فهي قد وردت بطريقة طبيعية محدودة عن نفوس مريضة ضيقة تحب زوال النعمة من الإنسان، موضحا أن غياب العدل والفقر والحرمان والتكافل كل ذلك نشأ منه أن يتخيل الإنسان كل شيء حسدا.

 

ويلفت زيتون إلى أن تبني "الحسد" حيلة الضعيف التي يفكر فيها مباشرةً، لافتاً الى أنه اذا تحققت العدالة سيختلف كل ذلك و"سنصبح كأي مجتمع راق منشغل بأموره"، منوها إلى أن كل هذه الأمراض وخصوصاً التحاسد "تزدهر بغياب العدالة".

2017-05-13
أضف تعليق
الاسم
الايميل
التعليق
تعليق صوتى
رفع ملف صوتى
لم يتم رفع اى ملف
( الملفات المسموح بها امتداد wma , rm , mp3 )
عدد الزيارات :